28.1 C
عمّان
يونيو 21, 2021
منبر البترا
Home » Blog » دور الإعلام في تحصين شبابنا أمام الفكر المتطرف
مقالات

دور الإعلام في تحصين شبابنا أمام الفكر المتطرف

منبر البترا-بقلم أ.د.تيسير أبو عرجة: بدايةً، فإن الإعلام لا يعمل بمفرده، وهو ليس منفصلاً عن المناخ الفكري والاجتماعي الذي عليه أن يعبر عنه، وأن ينقله إلى جماهير مستهلكي الرسائل الإعلامية.

والإعلام لا يعمل من تلقاء نفسه، ولكنه جزءٌ من منظومة سياسية وثقافية وأجندات لها أهدافُها وسياساتها وأدواتها، ولعل الاعلام هو أخطر هذه الأدوات وأشدّها تأثيراً.

والاعلام، حصيلةُ تفاعلٍ بين مفردات الرسالة الاعلاميّة والشحنة الفكرية التي تحملها، وبين الوسيلة الاعلامية بإمكانياتها التقنية ومواصفاتها التي تؤثر على نوعية الرسالة وقدرتها على الوصول والتأثير.

والاعلام، مهما أوتي من القوة التكنولوجية، فإنه لا يملكُ القدرةَ السحريةَ على التأثير بدون الفكر الذي يبثهُّ والمعلوماتِ التي يقدمّها، والطريقةِ والأسلوبِ اللّذين يستخدمُهما لنقل هذه الرسائل.

أَنْطَلِقُ من هذا التقديم، للتوضيح بأن الاعلامَ ودورهَ المطلوبَ في التصدي لفكر التطرف، وتحصينِ الشبابِ يتطلب تضافرَ الجهودِ كافّةً بين الإعلامّيين، وأهلِ الفكرِ، وأهلِ الدعوةِ، والتربويينَ، وكلِّ من لَهُمْ صلةٌ بهذا الجيل الشاب، وإعدادِهِ لتحملِ أعباءِ حمايةِ الذاتِ وصَوْنِ الوطنِ وتصويبِ مسارات الأمّة.

ولعلَّ أهلَ الدعوة الإسلامية والاعلام الإسلامي، الذين يُناط بهم بيانُ الطبيعة الوسطية للدين، وأنَّ التطرف والعنفَ، ليسا في صُلْب الدعوةِ إلى دين الله، مدعوّونَ إلى تقريبِ مفاهيم الدين والعبادات والمعاملات وسير الصحابة والتابعين، والوصول بها إلى جماهير الشباب المسلم، باعتبارها مادةً إعلاميةً جديرةً بالطرح والتركيز والحوار من خلال أساليبَ إعلاميةٍ ووسائِلَ جاذبةٍ في الإعدادِ والإخراجِ والتقديم.

وكما نَعْلَمُ، فإنَّ الجماعاتِ المتطرفةَ تخوضُ حرباً على جبهتين، واقعيةٍ قتاليةٍّ، وافتراضيةٍ إعلامية، من خلال الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، التي تستغّلُ ميزاتها في سعة الانتشار، وسهولةِ الاستخدام، واختراقها لحدود القارات والبُلدان، ولا تتطلُّب أكثَرَ من جهاز هاتفٍ نقال أصبحَ مُتاحاً في جيب كل انسان.

وهذه الحربُ الالكترونية، يُسَّخرُ لها حالياً ألوفُ الشباب القادرينَ على بث المعلومات وكتابةِ المنشورات والمدونات الالكترونية التي تخدِمُ أهدافَ المتطرفين، ويقومون من خلالها ببثِّ الرسائلِ الاعلاميةَ والتغريداتِ بمئات الألوف إلى الشبابِ العربي والمسلم في أنحاء العلام كافة، وهُمْ بهذه الرسائل الكثيفة المتلاحقة يقومون بالدعاية والحرب النفسية وأساليب الإقناع التي تستخدمُ الأوتارَ النفسَّيةَ التي تُسهَل عليهم تحقيق الأهداف الآتية:

  • السعي لتجنيد الشباب المسلم للانخراط في القتال مع هذه التنظيمات والجماعات المتشددة.
  • إقناع الشباب المسلم، بأنَّ القتالَ الذي يُدعوْن إليه إنما هو لنُصرة إخوانهم المظلومينَ الذي يتعرضّون للقتلِ والظلم في بعض البلدان.
  • السعيِ للحصول على التبرعات والهبات تحتَ ذرائع العونِ والدعمِ الشرعي الذي تقتضيه أواصرُ الأخوة الإسلامية، وتعاليمُ الدين الحنيف.
  • السعي لإقناع الشاب المسلم، بأنَّ هذه التنظيمات ما تشكلت إلا لأن هذه الدولَ الإسلامية، غير قادرة على تطبيق مقتضيات الشريعة الإسلامية، وأنها فاقدةٌ لموازين الحق والعدل.

وهي، إنما تستغل أوضاعَ الشباب المسلم في البلدان الأوروبية، الذين يلتحقون بالألوف في صفوف هذه الجماعات المتطرفة، وقد فتحت عمليةُ الهجومِ المسلح على المجلة الفرنسية (شارلي إبدو) الأعينَ على الأوضاع الثقافية والاقتصادية التي يعيشُها الشبابُ العربي المسلم في فرنسا وأوروبا، وهي الأوضاعُ التي تشكّلُ بيئةً ملائمةً حاضنةً للتطرف، نظراً لغيابِ الوعي الديني الصحيح لدى هؤلاء الشباب، واشكاليةِ الهويةِ الثقافية لديهم، لأنهّمْ عربٌ مسلمون في الأصل والدين والانتماء، وفرنسيونَ بالولادة والجنسية، ولم يحققوا عناصرَ الانتماء للهويّةِ الثقافية الأصلية، ولمْ يتحققْ لَهُمْ القبولُ التامُّ داخلَ مجتمعِ الولادةِ والجنسية، وهو الأمرُ الذي يقودُ إلى حالةٍ من الاغترابِ الفكري والديني والاجتماعي، يؤدي فيما يؤدي إليه، إلى حالةِ التجنيد والاستقطابِ التي تمارسُها الجماعاتُ المتطرفة، ويبدو أنها تنجزُ الكثيرَ من أهدافها في أوساطهم، وهم الذين يمتلكونَ العاطفة الدينية بالفطرة، ولا يدركونَ أحكامها ومقتضياتها الدعوية السلمية، ويعيشُ قطاعٌ كبيرٌ منهم ظروفَ البطالةِ و صعوباتِ العيش والنَّبذْ المجتمعي والعنصري، في بعضِ الأحيان، والحاجةِ إلى المال الذي يعتبر سلاحاً هاماً للتجنيد.

أما عن الرسائل الإعلاميّة التي تبثُّها هذه التنظيماتُ المتطرفةُ إلى الجماهير القارئةِ لبياناتها وتغريداتها، فإنها تأخذُ السماتِ الآتية:

  • استخدامَ لغةِ التهديد والوعيد، ضمنَ استراتيجية التخويف القائمة على بث الرعب من أجل تحقيق هدف الاستسلام لمشاريعها ومخططاتها.
  • تسريب المعلومات عن أعداد المقاتلين المنضوين تحت ألويتها، والحديث أنهم بعشرات الألوف، من أجل استعراضِ القوة، والاستعصاءِ على التصفية.
  • إعلان الأفلام والفيديوهات التي تتضمنُ مشاهدَ الاعدامِ والقتل والحرقِ وقطع الرؤوس، وهي رسالةٌ تهدفُ إلى بث الرعب في صفوف رافضي هذه المنظمات والذين يواجهونها، وكذلك بث الرعبِ في صفوفِ منتسبيها أنفسِهم، في حال، إذا ما أرادوا التمرُّدَ عليها والفرارَ منها، بعد انكشافِ أساليبها وممارساتها التي تنافي الدينَ ولا تمّت بصلةٍ على تعاليمه.

إذن، نحنُ في مواجهة إعلامية مع هذه الحالة التي علينا إن ننهض بها، لحماية شبابنا من أن يكون نَهْباً للتطرف الذي لا تقبلهُ الشرائعُ ولا القيمُ الإنسانية… نحن أمامَ ..

فكرٍ متطرف – يقابلهُ فكرٌ معتدل

وفكر منحرفٍ – يقابلهُ فكرٌ مستقيم

وفكرٍ يدعو إلى الإرهاب – يقابلُهُ فكرٌ يدعو الى البناء والتنمية

وفكرٍ يدعو إلى الاحتكام للسيف وقطع الرقاب- يقابله فكر يدعو إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة

فأين هي منابُرنا الإعلاميةُ التي تقدِّمُ هذا الفكر المستنيرَ المستند إلى حقائق الدين الذي يردعُ أباطيلَ هؤلاء المتطرفين.. خصوصاً مع توفر الوسائل الإعلامية على تنوعها وتعددها واختلافيِ أساليبها..

وكيف نُقدِّمُ الرسائلَ الاعلاميةَ التي تُخاطب جيل الشباب، وبينهم فئاتٌ غفيرةٌ تعاني من البطالة والتهميش والإحباط، وتعاني مما تعتقدهُ بضعفِ حصتها من حقِّها في العيش الكريم.

        وماذا يقدّمُ الاعلامُ الديني إلى شبابنا، خصوصاً مع اضطرابِ الفتاوى التي يسمعون إليها، وضعف الخطاب الإعلامي الديني الذي يشاهدونَه في البرامج الدينية من حيث المحتوى والشكل الفني والإخراج، والذي يتصف بالجمود وعدم التطورِ، وعدم الوصول الى الشباب في برامج حوارية جماهيرية تنقل نبضهم الحقيقي الى العلماء والمفسرين.

وماذا نقول عن بعض القنوات التي تتخذُ المادة الدينية أساساً لبرامجها، وتفاجئُ الناس بكثافة إعلانيةٍ عن أدويةٍ مستخلصة من الأعشاب، الزجاجةُ الواحدة منها، تشفي المرضى من أكثر من مرض.. ونحو ذلك.

ناهيك عن عدم الواقعية في تناولِ أوضاع الشباب، والابتعاد عن مناقشة حياتهم المعيشية، ومعاناتهم في غياب القدرة على إنشاء الأُسَرِ الخاصة بهم.

ونتجاهلُ، في أحيان كثيرةٍ، ماذا تفعلُ الأحداثُ الراهنة والحروبُ الطاحنة داخلَ البلدان العربية، من حيرةٍ واضطراب لدى جيل الشباب، وهو يفكرُّ في آثارِ هذه الحروب ونتائِجها المباشرةِ على حالته الفكرية والعقائدية وظروفه الاقتصادية والأمنيّة .. وهم يتساءلون وبصوت مرتفعٍ .. إلى متى..

وهل الأزمةُ السوريةُ مثلاً ستبقى إلى الأبد.. بعد أربع سنواتٍ من الحرب المفتوحة شكلَّتْ ساحةً للتطرفِ والعنفِ .. وسمَحت لكل أشكال التنظيمات بالتواجد على مسافة أمتار من حدودنا…

        ونتساءلُ، كيفَ أن الشبابَ عندنا، لم تُتَحْ الفرصةُ له أن ينخرطَ في الوعي السياسي المناسب، الذي يجعلُهُ قادراً على استيعابِ المتغيراتِ السياسية المحيطةِ، بتعقيداتها المستجدةِ، بما أدى إلى تداخُلِها مع التناقضات والصراعات العرقية والمذهبية والطائفية، التي نَشَبَتْ أظفارُها في جسد الامة، وكاَن للإعلامِ العربي بفضائياتهِ الكبرى، دورٌ لا يُنكَرُ في إيجادها وتأجيجها.

        ونتساءلُ كيفَ أن الاحزابَ السياسية لم تستطعْ أن تُشكلَّ منابرَ ملائمةً لبناءِ الوعي السياسي لدى شبابنا، وما تزالُ أدواتُها في الخطاب السياسي تقليدية غير قادرةٍ على الوصول والاقناع، في الوقتِ الذي أصبحتْ صفحةٌ مؤثرةٌ واحدةٌ على شبكاتِ التواصل الاجتماعي تؤدي دورَها التأثيريَّ أكبر بكثيرٍ من بعضِ التنظيمات والجهات الحزبية…

ونتساءَلُ، ونَحْنُ أمامَ إعلامنا التقليدي، كيف للأعلام أن يؤديَّ دوره في التحصين، ونحن نعلمُ أنَّ هذا الاعلامَ التقليدي، بدأ يضعُفُ تأثيرهُ، منذُ بضع سنوات، مع هذا الانتشارِ المدوّي للإعلام الالكتروني، وشبكاتِ التواصل الاجتماعي.

كيف ينهضُ الاعلامُ بدوره، وهو إما اعلام خاص يلهثُ وراء الإعلان، واعلامٌ رسمي يحتاج إلى الدعم والتأهيل والاسناد بالعناصر البشرية المدربة على الحوار والتحليل.

إننا مدعووّن لإعادة الاعتبار إلى الوظيفة السياسية للإعلام، بكل وسائله ومساراته، بعد أن بَلَغَ الترفيهُ فيها إلى منتهاه، وتركْناَ الشبابَ سنواتٍ طوالاً نهباً للفراغ الروحي والثقافي، وللبرامج التلفزيونية التي تحمل اسم تلفزيون الواقع، وكان لكل ذلك ردُ فعلٍ عند فئاتٍ كثيرة من الشباب، رافضةٍ لهذا الواقع، متمردةٍ عليه، ووجدتْ في الدين الملجأَ والملاذ، وكان ذلك حُجَّةً لأهل التطرف والتشدد أن يستقطبوا هذه الفئات الشبابية المتدّينة، بما يتفقُ مع ظروفها المحبطة، خصوصاً بعد اختطاف الربيع العربي، وتحوله إلى الدمار والاقتتال، في عدد من البلدان العربية.

ولكن، ولأن المسيرة لا يجبُ أن تتوقف، فإنَ علينا أنْ نبدأ، وأنْ نضعَ أولوياتنا في الفكر المستنير والإسلام الوسطي المعتدل، والتعريفِ بالدين الحق، والوصول إلى القطاعاتِ المستهدفة من جماعات التطرف، وهنا، أقدم بعض الملاحظات أو الاقتراحات…

  • ضرورة الاهتمام بالإعلام الديني في الوسائل الإعلامية كافة.
  • أن يكون هناك اعلامٌ مضاد ومستنير على شبكات التواصل الاجتماعي، وفي الاعلام الالكتروني، يخاطب الشباب ويصل إليهم عبر الوسائل التي تأخذ جُلَّ وقتهم.
  • ضرورة إعادة النظر في البرامج الدينية الاذاعية والتلفزيونية، وانتقالها إلى أطُرٍ تحريريةٍ وإخراجيةٍ جديدة، واعتمادِها على الحوارات المباشرة مع جيل الشباب في المدارس والجامعات.
  • ضرورة إيجاد قنوات إذاعية وتلفزيونية أردنية محلية تغطي كافة المحافظات، تُعنى بقضايا الوطن، وتركّزُ على تنمية المحافظة وشؤون أهلها..
  • إعادة الاعتبار لخُطبة الجمعة لجِهةِ المحتوى الواقعي العصري، بأسلوب عقلاني يَبْني العقلَ، ويناقش الواقع المحيطَ والمستجداتِ، وهي وسيلةٌ إعلامية ذات تأثيرٍ كبير..
  • إعادة الاعتبار للحريات الإعلامية التي تجعل الاعلام يتلمس القضايا الحيوية المصيرية بدلاً من الأخبار الروتينية، والأخبار التي تختلط بالإشاعات.
  • فَتْحَ المنابر الإعلامية للشباب المتدين، الذي يعي الرسالة الإعلامية الدينية، ويستطيعُ أَنْ يقدَّم خِطاباً إقناعياً تواصلياً مع جيل الشباب من الأقران…
  • إنَّ الرسالة الإعلامية لكي تَنْجحَ، ويكونَ لها فعلُها وآثارُها، تحتاجُ الى أن تتواصل في تدفقِ منهمر، مع ما تقتضيه من التغييرات في المنطلقات والأساليب، ولنا في حالة التوحد الوطني، الرسمي والشعبي، الذي ظَهَر بارزاً عند استشهادِ الطيار البطل معاذ الكساسبة، خيرُ مثالٍ على ذلكِ، عندما ظَهَر الموقفُ الاردنيُ، والشعبُ الأردني بكل فئاته ومكوناته، في صورةٍ عزَّ نظيرها، كفيلةٍ في حالِ استمراريتها بنفسِ الروح والمعنى والأصالة، أن تنزعَ شوكة التطرف في حياتنا، لصالحِ الوطنية الأصيلة، بقيم الانتماء للأرض، وتقديس القيم الإنسانية، التي يُعتبر الاسلامُ، ديننا العظيم، باعثها وحارسها، ما دامت الحياة.

 

 

26-5-2015

 

 

Related posts

أدوار لا تشبهنا

Nisreen Abdallah

جامعاتنا والخريجون- بقلم:د.هيثم أبو كركي

Nisreen Abdallah

الطالب والدفتر والقلم

Tayseer Mashareqa

اترك تعليقا

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com